الملا فتح الله الكاشاني

24

زبدة التفاسير

ولا يخفى أنّ الرحمن أبلغ من الرحيم ، لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى ، كما في : قطع وقطَّع ، وكبار وكبّار . وزيادة المعنى في الرحمن بالنسبة إلى معنى الرحيم تارة باعتبار الكمّيّة ، وأخرى باعتبار الكيفيّة . فعلى الأوّل قيل : يا رحمن الدنيا ، لأنّه يعمّ المؤمن والكافر ، ورحيم الآخرة ، لأنّه يخصّ المؤمن . وعلى الثاني قيل : يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ، لأنّ النعم الأخرويّة كلَّها جسام ، وأمّا النعم الدنيويّة فجليلة وحقيرة . وتقديم الرحمن على الرحيم ، والقياس يقتضي الترقّي من الأدنى إلى الأعلى ، إمّا لاختصاص إطلاقه عليه سبحانه كاختصاص لفظة « اللَّه » به ، لقوله تعالى : * ( قُلِ ادْعُوا اللَّه أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ) * « 1 » فصار كالعلم من حيث إنّه لا يوصف به غيره ، لأنّ معناه : المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها ، وذلك لا يصدق على غيره ، لأنّ ما عداه مستفيض بلطفه وإنعامه ، ولأنّ الرحمن دلّ على جلائل النعم وأصولها ، وذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها ، فيكون كالتتمّة والرديف له . وإمّا لتقدّم رحمة الدنيا . والرحمة في اللغة : رقّة القلب ، وانعطاف يقتضي التفضّل والإحسان ، ومنه : الرحم ، لانعطافها على ما فيها ، وأسماء اللَّه تعالى إنما يؤخذ باعتبار الغايات الَّتي هي أفعال دون المبادئ الَّتي تكون انفعالات . روي عن علي بن موسى الرضا عليه السّلام أنّه قال : إنّ * ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * أقرب إلى اسم اللَّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها . وروي عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم أنّه قال : إذا قال المعلَّم للصبيّ : قل : بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، كتب اللَّه براءة للصبيّ ، وبراءة لأبويه ، وبراءة للمعلَّم . وعن ابن مسعود : من أراد أن ينجيه اللَّه من الزبانية التسعة عشر فليقرأ :

--> ( 1 ) الإسراء : 110 .